محمد بن جرير الطبري
82
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
تاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير مهم ) ( 1 ) وكقوله ( وأسروا النجوى ) ( 2 ) ثم ابتدأ فقال ( الذين ظلموا ) ( 2 ) . وأولى القراء تين بالصواب عندي في ذلك ، قراءة من قرأه ( إما يبلغن ) على التوحيد على أنه خبر عن أحدهما ، لان الخبر عن الامر بالاحسان في الوالدين ، قد تناهى عند قوله ( وبالوالدين إحسانا ) ثم ابتدأ قوله ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) . وقوله : ( فلا تقل لهما أف ) يقول : فلا تؤفف من شئ تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس ، ولكن اصبر على ذلك منهما ، واحتسب في الاجر صبرك عليه منهما ، كما صبرا عليك في صغرك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 16759 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : إما يبلغان عندك الكبر فلا تقل لهما أف حين ترى الأذى ، وتميط عنهما الخلاء والبول ، كما كانا يميطانه عنك صغيرا ، ولا تؤذهما . وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى " أف " ، فقال بعضهم : معناه : كل ما غلظ من الكلام وقبح . وقال آخرون : آلاف : وسخ الأظفار والتف كل ما رفعت بيدك من الأرض من شئ حقير . وللعرب في " أف " لفات ست رفعها بالتنوين وغير التنوين وخفضها كذلك ونصبها ، فمن خفض ذلك بالتنوين ، وهي قراءة عامة أهل المدينة . شبهها بالأصوات التي لا معنى لها ، كقولهم في حكاية الصوت غاق غاق ، فخفضوا القاف ونونوها ، وكان حكمها السكون ، فإنه لا شئ يعربها من تأجل مجيئها بعد حرف ساكن وهو الألف ، فكر هوا أن يجمعوا بين ساكنين ، فحركوا إلى أقرب الحركات من السكون ، وذلك الكسر ، لان المجزوم إذا حرك ، فإنما يحرك إلى الكسر . وأما الذين خفضوا بغير تنوين ، وي قراءة عامة قراء الكوفيين والبصريين ، فإنهم قالوا : إنما يدخلون التنوين فيما جاء من الأصوات ناقصا ، كالذي يأتي على حرفين مثل : مه وصه وبخ ، فيتمم بالتنوين لنقصانه عن أبنيه الأسماء . قالوا : وأف تام لا حاجة بنا إلى تتمته بغيره ، لأنه قد جاء على ثلاثة أحرف .