محمد بن جرير الطبري

83

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قالوا : وإنما كسرنا الفاء الثانية لئلا نجمع بين ساكنين . وأما من ضم ونون ، فإنه قال : هو اسم كسائر الأسماء التي تعرب وليس بصوت ، وعدل به عن الأصوات . وأما من ضم ذلك بغير تنوين ، فإنه قال : ليس هو باسم متمكن فيعرب يإعراب الأسماء المتمكنة ، وقالوا : نضمه كما قوله ( لله الامر من قبل ومن بعد ) ( 1 ) ، وكما نضم الاسم في النداء المفرد ، فنقول : يا زيد . ومن نصبه بغير تنوين ، وهو قراءة بعض المكيين وأهل الشام فإنه شبهه بقولهم : مد يا هذا ورد . ومن نصب بالتنوين ، فإنه أعمل الفعل فيه ، وجعله اسما صحيحا ، فيقول : ما قلت له : أفا ولا تفا . وكان بعض نحويي البصرة يقول : قرئت : أف ، وأفا لغة جعلوها مثل نعتها . وقرأ بعضهم " أف " ، وذلك أن بعض العرب يقول : " أف لك " على الحكاية : أي لا تقل لهما هذا القول . قال : والرفع قبيح ، لأنه لم يجي ة بعده بلام ، والذين قالوا : " أف " فكسروا كثير ، وهو أجود . وكسر بعضهم ونون . وقال بعضهم : " أفي " ، كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه ، فقال : أفي هذا لكما ، والمكسور من هذا منون وغير منون على أنه اسم غير متمكن ، نحو أمس وما أشبهه ، والمفتوح بغير تنوين كذلك . وقال بعض أهل العربية : كل هذه الحركات الست تدخل في " أف " حكاية تشبه بالاسم مرة وبالصوت أخرى . قال : وأكثر ما تكسر الأصوات بالتنوين إذا كانت على حرفين مثل صه ومه وبخ . وإذا كانت على ثلاثة أحرف شبهت بالأدوات " أف " مثل : ليت ومد ، وأف مثل مد يشبه بالأدوات ( 2 ) . وإذا قال أف مثل صه . وقالوا سمعت مض يا هذا ومض . وحكي عن الكسائي أنه قال : سمعت " ما علمك أهلك إلا مض ومض " ، وهذا كأف وأف . ومن قال : " أفا " جعله مثل سحقا وبعدا . والذي هو أولى بالصحة عندي قراءة ذلك ، قراءة من قرأه : " فلا تقل لهما أف " بكسر الفاء بغير تنوين لعلتين ، إحداهما : أنها أشهر اللغات فيها وأفصحها عند العرب ، والثانية : أن حظ كل ما لم يكن له معرب من الكلام السكون ، فلما كان ذلك كذلك . وكانت الفاء في أف حظها الوقوف ، ثم لم يكن إلى ذلك سبيل لاجتماع الساكنين فيه ، وكان حكم الساكن إذا حرك أن يحرك إلى الكسر حركت إلى الكسر ، كما قيل : مد وشد ورد الباب ( 3 ) . وقوله : ( ولا تنهرهما ) يقول جل ثناؤه : ولا تزجرهما . كما :