محمد بن جرير الطبري

76

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : ( وكفى بربك ) أدخلت الباء في قوله : ( بربك ) وهو في محل رفع ، لان معنى الكلام : وكفاك ربك ، وحسبك ربك بذنوب عباده خبيرا ، دلالة على المدح ، وكذلك تفعل العرب في كل كلام كان بمعنى المدح أو الذم ، تدخل في الاسم الباء والاسم المدخلة عليه الباء في موضع رفع لتدل بدخولها على المدح أو الذم كقولهم : أكرم به رجلا ، وناهيك به رجلا ، وجاد بثوبك ثوبا ، وطاب بطعامكم طعاما ، وما أشبه ذلك من الكلام ، ولو أسقطت الباء مما دخلت فيه من هذه الأسماء رفعت ، لأنها في محل رفع ، كما قال الشاعر : ويخبرني عن غائب المرء هديه * كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا ( 1 ) فأما إذا لم يكن في الكلام مدح أو ذم فلا يدخلون في الاسم الباء ، لا يجوز أن يقال : قام بأخيك ، وأنت تريد : قام أخوك ، إلا أن تريد : قام رجل آخر به ، وذلك معنى غير المعنى الأول . القول في تأويل قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموما مدحورا ) * يقول تعالى ذكره : من كان طلبه الدنيا العاجلة ولها يعمل ويسعى ، وإياها يبغي ، لا يوقن بمعاد ، ولا يرجو ثوابا ولا عقابا من ربه على عمله ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) يقول : يعجل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الدنيا عليه ، أو تقتير ها لمن أراد الله أن يفعل ذلك به ، أو إهلاكه بما يشاء من عقوباته . ( ثم جعلنا له جهنم يصلاها ) يقول : ثم أصليناه عند مقدمه علينا في الآخرة جهنم ، ( مذموما ) على قلة شكره إيانا ، وسوء صنيعه فيما سلف من أيادينا عنده في الدنيا ( مدحورا ) يقول : مبعدا : مقصى في النار . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 16741 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) يقول : من كانت الدنيا همه وسدمه ( 2 ) وطلبته ونيته ، عجل الله له فيها ما يشاء ، ثم اضطره إلى جهنم . قال : ( ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ) مذموما في نعمة الله مدحورا في نقمة الله .