محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
في بني إسرائيل ، وركبوا المعاصي ، واستحلوا المحارم ، ونسوا ما كان الله تعالى صنع بهم ، وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده . فأوحى الله تعالى إلى إرمياء : أن ائت قومك من بني إسرائيل ، واقصص عليهم ما آمرك به ، وذكرهم نعمتي عليهم ، وعرفهم أحداثهم ، فقال إرمياء : إني ضعيف إن لم تقوني ، وعاجز إن لم تبلغني ، ومخطئ إن لم تسددني ، ومخذول إن لم تنصرني ، وذليل إن لم تعزني . قال : الله تبارك وتعالى : أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي ، وأن القلوب كلها والألسنة بيدي ، أقلبها كيف شئت ، فتطيعني ، وإني أنا الله الذي لا شئ مثلي ، قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي ، وأنا كلمت البحار ، ففهمت قولي ، وأمرتها فعقلت أمري ، وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدى حدي ، تأتي بأمواج كالجبال ، حتى إذا بلغت حدي ألبستها مذلة طاعتي خوفا واعترافا لأمري إني معك ، لن يصل إليك شئ معي ، وإن بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي ، لتبلغهم رسالاتي ، ولتستحق بذلك مثل أجر من تبعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، وإن تقصر عنها فلك مثل وزر من تركب في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، انطلق إلى قومك فقل : إن الله ذكر لكم صلاح آبائكم ، فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء ، وسلهم كيف وجد آباؤهم مغبة طاعتي ، وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي ، وهل علموا أن أحدا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي ، أو عصاني فسعد بمعصيتي ، فإن الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة ، فتنتابها ، وإن هؤلاء القوم قد رتعوا في مروج الهلكة . أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا ليعبدوهم دوني وتحكموا فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري ، وأنسوهم ذكري ، وغروهم مني . أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتي ، وأمنوا مكري ، ونبذوا كتابي ونسوا عهدي ، وغيروا سنتي ، فأدان ( 1 ) لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي ، فهم يطيعونهم في معصيتي ، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جراءة علي وغرة وفرية علي وعلى رسلي ، وهل ينبغي لي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني . وأما قراؤهم ( 2 ) وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد ، ويتزينون بعمارتها لغيري ، لطلب الدنيا بالدين ، ويتفقون فيها لغير العلم ، ويتعلمون فيها لغير العمل . وأما أولاد الأنبياء ، فمكثرون ( 3 ) مقهورون مغيرون ، يخوضون مع الخائضين ، ويتمنون علي مثل