محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها ، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر ، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم لي ، وكيف كان جدهم في أمري حين غير المغيرون ، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم ، فصبروا وصدقوا حتى عز أمري ، وظهر ديني ، فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون ، فأطولت لهم ، وصفحت عنهم ، لعلهم يرجعون ، فأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتذكرون ، فأعذرت في كل ذلك ، أمطر عليهم السماء ، وأنبت لهم الأرض ، وألبسهم العافية وأظهر هم على العدو فلا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني ، فحتى متى هذا ؟ أبي يتمرسون أم إياي يخادعون ؟ وإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ، ويضل فيها رأي ذي الرأي ، وحكمة الحكيم ، ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ، ألبسه الهيبة ، وأنتزع من صدره الرأفة والرحمة والبيان ، يتبعه عدد وسواد مثل سواد الليل المظلم ، له عساكر مثل قطع السحاب ، ومراكب أمثال العجاج ، كأن خفيق راياته طيران النسور ، وأن حملة فرسانه كوبر العقبان . ثم أوحى الله إلى إرميا : إني مهلك بني إسرائيل بيافث ، ويافث أهل بابل ، وهم من ولد يافث بن نوح . ثم لما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشق ثيابه ، ونبذ الرماد على رأسه وقال : ملعون يوم ولدت فيه ، ويم لقيت التوراة ، ومن شر أيامي يوم ولدت فيه ، فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو أشر علي ! لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل ، فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك ، فلما سمع الله تضرع الخضر وبكاءه ، وكيف يقول ، ناداه : يا إرميا أشق ذلك عليك فيما أوحيت لك ؟ قال : نعم يا رب ! أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به ! فقال الله : وعزتي العزيزة لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الامر من قبلك في ذلك ، ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه ، وطابت نفسه ، وقال : لا ، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ريي بهلاك بني إسرائيل أبدا ! ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره ما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا ، وإن عفا عنا فبقدرته . ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر ، وذلك حين اقترب هلاكهم ، فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة ، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها ، فقال لهم ملكهم : يا يني إسرائيل ، انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله ، وقبل أن يبعث عليكم قوم لا رحمة لهم بكم ، وإن ربكم قريب التوبة ، مبسوط اليدين بالخير ، رحيم بمن تاب إليه . فأبوا عليه أن ينزعوا عن شئ مما هم عليه ، وإن الله قد ألقى في قلب بختنصر بن نجور زاذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمرود بن فالخ بن عابر بن نمرود صاحب إبراهيم الذي حاجه في ربه ، أن يسير إلى بيت