محمد بن جرير الطبري

359

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أهله . وقال آخر منهم : هذا من أفصح كلام العرب ، وقال إنما إرادة الجدار : ميله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تراءى ناراهما " وإنما هو أن تكون نار ان كل واحدة من صاحبتها بموضع لو قام فيه إيسان رأى الأخرى في القرب ، قال : وهو كقول الله عز وجل في الأصنام : ( وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) ( 1 ) قال : والعرب تقول : داري تنظر إلى دار فلان ، تعني : قرب ما بينهما ، واستشهد بقول ذي الرمة في وصفه حوضا أو منزلا دارسا : * قد كاد أو قد هم بالبيود * ( 2 ) قال : فجعله يهم ، وإنما معناه : أنه قد تغير للبلى . والذي نقول به في ذلك أن الله عز ذكره بلطفه ، جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم ، ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم . مما لا تحسه أبصارهم ، وقد عقلت العرب معنى القائل : في مهمة قلقت به هاماتها * قلق الفؤوس إذا أردن نصولا ( 3 ) وفهمت أن الفؤوس لا توصف بما يوصف به بنو آدم من ضمائر الصدور مع وصفها إياهما بأنها تريد . وعلمت ما يريد القائل بقوله : كمثل هيل النقا طاف المشاة به * ينهال حينا وينهاه الثرى حينا ( 4 ) وإنما لم يرد أن الثرى نطق ، ولكنه أراد به أنه تلبد بالندى ، فمنعه من الانهيال ، فكان منعه إياه من ذلك كالنهي من ذوي المنطق فلا ينهال . وكذلك قوله : ( جدارا يريد أن ينقض ) قد علمت أن معناه : قد قارب من أن يقع أو يسقط ، وإنما خاطب جل ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه ، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى ، وضل فيه ذوو الجهالة والغباء . وقوله : ( فأقامه ) ذكر عن ابن عباس أنه قال : هدمه ثم قعد يبنيه . 17516 - حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، عن