محمد بن جرير الطبري
289
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فإن قال قائل : وما يدل على أن ذلك كذلك ؟ قيل : الدال على ذلك أنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عن قدر لبثهم في كهفهم ابتداء ، فقال : ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا ولم يضع دليلا على أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه ، وغير جائز أن يضاف خبره عن شئ إلى أنه خبر عن غيره بغير برهان ، لان ذلك لو جاز جاز في كل أخباره ، وإذا جاز ذلك في أخباره جاز في أخبار غيره أن يضاف إليه أنها أخباره ، وذلك قلب أعيان الحقائق وما لا يخيل فساده . فإن ظن ظان أن قوله : قل الله أعلم بما لبثوا دليل على أن قوله : ولبثوا في كهفهم خبر منه عن قوم قالوه ، فإن ذلك كان يجب أن يكون كذلك لو كان لا يحتمل من التأويل غيره فأما وهو محتمل ما قلنا من أن يكون معناه : قل الله أعلم بما لبثوا إلى يوم أنزلنا هذه السورة ، وما أشبه ذلك من المعاني فغير واجب أن يكون ذلك دليلا على أن قوله : ولبثوا في كهفهم خبر من الله عن قوم قالوه ، وإذا لم يكن دليلا على ذلك ، ولم يأت خبر بأن قوله : ولبثوا في كهفهم خبر من الله عن قوم قالوه ، ولا قامت بصحة ذلك حجة يجب التسليم لها ، صح ما قلنا ، وفسد ما خالفه . واختلفت القراء في قراءة قوله : ثلاث مئة سنين فقرأت ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ثلاث مئة سنين بتنوين : ثلاث مئة ، بمعنى : ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مئة . وقرأته عامة قراء أهل الكوفة : ثلاث مئة سنين بإضافة ثلاث مئة إلى السنين ، غير منون . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه : ثلاث مئة بالتنوين سنين ، وذلك أن العرب إنما تضيف المئة إلى ما يفسرها إذا جاء تفسيرها بلفظ الواحد ، وذلك كقولهم ثلاث مئة درهم ، وعندي مئة دينار ، لان المئة والألف عدد كثير ، والعرب لا تفسر ذلك إلا بما كان بمعناه في كثرة العدد ، والواحد يؤدي عن الجنس ، وليس ذلك للقليل من العدد ، وإن كانت العرب ربما وضعت الجمع القليل موضع الكثير ، وليس ذلك بالكثير . وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجمع ، فإنها تنون ، فتقول : عندي ألف دراهم ، عندي مئة دنانير ، على ما قد وصفت . وقوله : له غيب السماوات والأرض يقول تعالى ذكره : لله علم غيب السماوات والأرض ، لا يعزب عنه علم شئ منه ، ولا يخفى عليه شئ ، يقول : فسلموا له علم مبلغ ما