محمد بن جرير الطبري
290
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
لبثت الفتية في الكهف إلى يومكم هذا ، فإن ذلك لا يعلمه سوى الذي يعلم غيب السماوات والأرض ، وليس ذلك إلا الله الواحد القهار . وقوله : أبصر به وأسمع يقول : أبصر بالله وأسمع ، وذلك بمعنى المبالغة في المدح ، كأنه قيل : ما أبصره وأسمعه . وتأويل الكلام : ما أبصر الله لكل موجود ، وأسمعه لكل مسموع ، لا يخفى عليه من ذلك شئ ، كما : 17341 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أبصر به وأسمع فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع ، تبارك وتعالى . 17342 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي قال : يرى أعمالهم ، ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا . وقوله : ما لهم من دونه من ولي يقول جل ثناؤه : ما لخلقه دون ربهم الذي خلقهم ولي ، يلي أمرهم وتدبيرهم ، وصرفهم فيما هم فيه مصرفون . ولا يشرك في حكمه أحدا يقول : ولا يجعل الله في قضائه ، وحكمه في خلقه أحدا سواه شريكا ، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم ، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحب . القول في تأويل قوله تعالى : * ( واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا ، ولا تتركن تلاوته ، واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه ، والعمل بحلاله وحرامه ، فتكون من الهالكين وذلك أن مصير من خالفه ، وترك اتباعه يوم القيامة إلى جهنم لا مبدل لكلماته يقول : لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك أهل معاصيه ، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك . وقوله : ولن تجد من دونه ملتحدا يقول : وإن أنت يا محمد لم تتل ما أوحى إليك من كتاب ربك فتتبعه وتأتم به ، فنالك وعيد الله الذي أوعد فيه المخالفين حدوده ، لن تجد