محمد بن جرير الطبري

272

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الذي على فم الكهف ، فيبنى به حظيرة لغنمه ، فاستأجر عاملين ، فجعلا ينزعان تلك الحجارة ، ويبنيان بها تلك الحظيرة ، حتى نزعا ما على فم الكهف ، حتى فتحا عنهم باب الكهف ، وحجبهم الله من الناس بالرعب فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف ، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائما فلما نزعا الحجارة ، وفتحا عليهم باب الكهف ، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهري الكهف ، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم ، فسلم بعضهم على بعض ، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها . ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا ، كالذي كانوا يفعلون ، لا يرون ، ولا يرى في وجوههم ، ولا أبشارهم ، ولا ألوانهم شئ ينكرونه كهيئتهم حين رقدوا بعشي أمس ، وهم يرون أن ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم . فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون ، قالوا ليمليخا ، وكان هو صاحب نفقتهم ، الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة ، وجاءهم بالخبر أن دقينوس يلتمسنهم ، ويسأل عنهم : أنبئنا يا أخي ما الذي قال الناس في شأننا عشي أمسى عند هذا الجبار ؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون ، وقد خيل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها ، حتى تساءلوا بينهم ، فقال بعضهم لبعض : كم لبثتم نياما ؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم وكل ذلك في أنفسهم يسير . فقال لهم يمليخا : افتقدتم والتمستم بالمدينة ، وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم ، فتذبحون للطواغيت ، أو يقتلكم ، فما شاء الله بعد ذلك . فقال لهم مكسلمينا : يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقون ، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله ، ولا تنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله ، والحياة من بعد الموت ثم قالوا ليمليخا : انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال لنا بها اليوم ، وما الذي نذكر به عند دقينوس ، وتلطف ، ولا يشعرن بنا أحد ، وابتع لنا طعاما فأتنا به ، فإنه قد آن لك ، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به ، فإنه قد كان قليلا ، فقد أصبحنا جياعا ففعل يمليخا كما كان يفعل ، ووضع ثيابه ، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها ، وأخذ ورقا من نفقتهم التي كانت معهم ، التي ضربت بطابع دقينوس الملك ، فانطلق يمليخا خارجا فلما مر بباب الكهف ، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف ، فعجب منها ، ثم مر فلم يبال بها ، حتى أتى المدينة مستخفيا يصد عن الطريق تخوفا أن يراه أحد من أهلها ، فيعرفه ، فيذهب به إلى دقينوس ، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاث مئة وتسع سنين ، أو ما شاء الله من ذلك إذ كان ما بين أن ناموا إلى