محمد بن جرير الطبري

273

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أن استيقظوا ثلاث مئة وتسع سنين . فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره ، فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الايمان ، إذا كان ظاهرا فيها فلما رآها عجب وجعل ينظر مستخفيا إليها فنظر يمينا وشمالا ، فتعجب بينه وبين نفسه ، ثم ترك ذلك الباب ، فتحول إلى باب آخر من أبوابها ، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها ، ورأى على كل باب مثل ذلك فجعل يخيل إليه أن المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف ، ورأى ناسا كثيرا محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك ، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه ، فجعل يعجب بينه وبين نفسه ويقول : يا ليت شعري ، أما هذه عشية أمس ، فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها ، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلي حالم ؟ ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ كساءه فجعله على رأسه ، ثم دخل المدينة ، فجعل يمشي بين ظهري سوقها ، فيسمع أناسا كثيرا يحلفون باسم عيسى ابن مريم ، فزاده فرقا ، ورأى أنه حيران ، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدر المدينة ويقول في نفسه : والله ما أدري ما هذا أما عشية أمس فليس على الأرض انسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل وأما الغداة فأسمعهم ، وكل انسان يذكر أمر عيسى لا يخاف ثم قال في نفسه : لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم ، والله ما أعلم مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران لا يتوجه وجها ثم لقي فتى من أهل المدينة ، فقال له : ما اسم هذه المدينة يا فتى ؟ قال : اسمها أفسوس ، فقال في نفسه : لعل بي مسا ، أو بي أمر أذهب عقلي ؟ والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شر فأهلك . هذا الذي يحدث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به . ثم إنه أفاق فقال : والله لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي فدنا من الذين يبيعون الطعام ، فأخرج الورق التي كانت معه ، فأعطاها رجلا منهم ، فقال : بعني بهذه الورق يا عبد الله طعاما . فأخذها الرجل ، فنظر إلى ضرب الورق ونقشها ، فعجب منها ، ثم طرحها إلى رجل من أصحابه ، فنظر إليها ، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ، ويتعجبون منها ، ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا ، وجعل يرتعد ويظن أنهم قد فطنوا به وعرفوه ، وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يسلمونه إليه . وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه ، فقال لهم وهو شديد الفرق منهم : أفضلوا علي ، فقد أخذتم ورقي فأمسكوا ، وأما طعامكم فلا حاجة