محمد بن جرير الطبري
254
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ثم قدم دقينوس الجبار المدينة التي منها خرج إلى مدينته ، وهي مدينة أفسوس ، فأمر عظماء أهلها ، فذبحوا للطواغيت ، ففزع في ذلك أهل الايمان ، فتخبأوا من كل مخبأ ، وكان يمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم ، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل ، فأخبرهم أن الجبار دقينوس قد دخل المدينة ، وأنهم قد ذكروا وافتقدوا والتمسوا مع عظماء أهل المدينة ليذبحوا للطواغيت ، فلما أخبرهم بذلك ، فزعوا فزعا شديدا ، ووقعوا سجودا على وجوههم يدعون الله ، ويتضرعون إليه ، ويتعوذون به من الفتنة ، ثم إن يمليخا قال لهم : يا إخوتاه ، ارفعوا رؤوسكم ، فأطعموا من هذا الطعام الذي جئتكم به ، وتوكلوا على ربكم ، فرفعوا رؤوسهم ، وأعينهم تفيض من الدمع حذرا وتخوفا على أنفسهم ، فطعموا منه ، وذلك مع غروب الشمس ، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ، ويذكر بعضهم بعضا على حزن منهم ، مشفقين مما أتاهم به صاحبهم من الخبر . فبينا هم على ذلك ، إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عددا ، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف ، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ، مصدقون بالوعد ، ونفقتهم موضوعة عندهم ، فلما كان الغد فقدهم دقينوس ، فالتمسهم فلم يجدهم ، فقال لعظماء أهل المدينة : لقد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا . لقد كانوا يظنون أن بي غضبا عليهم فيما صنعوا في أول شأنهم ، لجهلهم ما جهلوا من أمري ، ما كنت لأجهل عليهم في نفسي ، ولا أؤاخذ أحدا منهم بشئ إن هم تابوا وعبدوا آلهتي ، ولو فعلوا لتركتهم ، وما عاقبتهم بشئ سلف منهم . فقال له عظماء أهل المدينة : ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة ، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم ، وقد كنت أجلتهم أجلا ، وأخرتهم عن العقوبة التي أصبت بها غيرهم ، ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الاجل ، ولكنهم لم يتوبوا ولم ينزعوا ولم يندموا على ما فعلوا ، وكانوا منذ انطلقت يبذرون أموالهم بالمدينة ، فلما علموا بقدومك فروا فلم يروا بعد . فإن أحببت أن تؤتى بهم ، فأرسل إلى آبائهم فامتحنهم ، واشدد عليهم يدلوك عليهم ، فإنهم مختبئون منك . فلما قالوا ذلك لدقينوس الجبار ، غضب غضبا شديدا ، ثم أرسل إلى آبائهم ، فأتى بهم فسألهم عنهم وقال : أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوا أمري ، وتركوا آلهتي ، ائتوني بهم ، وأنبئوني بمكانهم ! فقال له آباؤهم : أما نحن فلم نعص أمرك ولم نخالفك . قد عبدنا الهتك وذبحنا لهم ، فلم تقتلنا في قوم مردة ، قد ذهبوا بأموالنا فبذروها وأهلكوها في أسواق المدينة ، ثم انطلقوا ، فارتقوا في جبل يدعى بنجلوس ، وبينه وبين المدينة أرض