محمد بن جرير الطبري
255
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
بعيدة هربا منك ؟ ! فلما قالوا ذلك خلى سبيلهم ، وجعل يأتمر ماذا يصنع بالفتية ، فألقى الله عز وجل في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم كرامة من الله ، أراد يكرمهم ، ويكرم أجساد الفتية ، فلا يجول ، ولا يطوف بها شئ ، وأراد أن يحييهم ، ويجعلهم آية لامة تستخلف من بعدهم ، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور . فأمر دقينوس بالكهف أن يسد عليهم ، وقال : دعوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتي فليموتوا كما هم في الكهف عطشا وجوعا ، وليكن كهفهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرا لهم ، ففعل بهم ذلك عدو الله ، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم ، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم ، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف ، قد غشاه الله ما غشاهم ، يقلبون ذات اليمين وذات الشمال . ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقينوس يكتمان إيمانهما : اسم أحدهما بيدروس ، واسم الآخر : روناس ، فأتمرا أن يكتبا شأن الفتية أصحاب الكهف ، أنسابهم وأسماءهم وأسماء آبائهم ، وقصة خبرهم في لو حين من رصاص ، ثم يصنعا له تابوتا من نحاس ، ثم يجعلا اللوحين فيه ، ثم يكتبا عليه في فم الكهف بين ظهراني البنيان ، ويختما على التابوت بخاتمهما ، وقالا : لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة ، فيعلم من فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم ، ففعلا ثم بنيا عليه في البنيان ، فبقي دقينوس وقرنه ( 1 ) الذين كانوا مهم ما شاء الله أن يبقوا ، ثم هلك دقينوس والقرن الذي كانوا معه ، وقرون بعده كثيرة ، وخلفت الخلوف بعد الخلوف . 17271 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، قال : كان أصحاب الكهف أبناء عظماء مدينتهم ، وأهل شرفهم ، فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد ، فقال رجل منهم هو أسنهم : إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا يجده ، قالوا : ماذا تجد ؟ قال : أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض ، وقالوا : نحن نجد . فقاموا جميعا ، فقالوا : ( ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( 2 ) ، فاجتمعوا أن يدخلوا الكهف ، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبار يقال له دقينوس ، فلبثوا في الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا رقدا .