محمد بن جرير الطبري
208
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أبوا الايمان بك وتصديقك فيما جئتهم به من عندي ، استنكارا لان يبعث الله رسولا من البشر : لو كان أيها الناس في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ، لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ، لان الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ، ومن خصه الله من بني آدم برؤيتها ، فأما غيرهم فلا يقدرون على رؤيتها فكيف يبعث إليهم من الملائكة الرسل ، وهم لا يقدرون على رؤيتهم وهم بهيئاتهم التي خلقهم الله بها ، وإنما يرسل إلى البشر الرسول منهم ، كما لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ، ثم أرسلنا إليهم رسولا أرسلناه منهم ملكا مثلهم . القول في تأويل قوله تعالى * ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه : قل يا محمد للقائلين لك : أبعث الله بشرا رسولا كفى بالله شهيدا بيني وبينكم فإنه نعم الكافي والحاكم إنه كان بعباده خبيرا يقول : إن الله بعباده ذو خبرة وعلم بأمورهم وأفعالهم ، والمحق منهم والمبطل ، والمهدي والضال بصيرا بتدبيرهم وسياستهم وتصريفهم فيما شاء ، وكيف شاء وأحب ، لا يخفى عليه شئ من أمورهم ، وهو مجاز جميعهم بما قدم عند ورودهم عليه . القول في تأويل قوله تعالى * ( ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ) * . يقول تعالى ذكره : ومن يهد الله يا محمد للايمان به ، ولتصديقك وتصديق ما جئت به من عند ربك ، فوفقه لذلك ، فهو المهتد الرشيد المصيب الحق ، لا من هداه غيره ، فإن الهداية بيده . ومن يضلل يقول : ومن يضلله الله عن الحق ، فيخذله عن إصابته ، ولم