محمد بن جرير الطبري
105
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الله عز وجل عن ذلك عباده ، وقال لرسوله عليه الصلاة والسلام : قتل غير القاتل بالمقتول معصية وسرف ، فلا تقتل به غير قاتله ، وإن قتلت القاتل بالمقتول فلا تمثل به . وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة : فلا يسرف بالياء ، بمعنى فلا يسرف ولي المقتول ، فيقتل غير قاتل وليه . وقد قيل : عنى به : فلا يسرف القاتل الأول لأولي المقتول . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن يقال : إنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، وذلك أن خطاب الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهى في أحكام الدين ، قضاء منه بذلك على جميع عباده ، وكذلك أمره ونهيه بعضهم ، أمر منه ونهى جميعهم ، إلا فيما دل فيه على أنه مخصوص به بعض دون بعض ، فإذا كان ذلك كذلك بما قد بينا في كتابنا ( كتاب البيان ، عن أصول الاحكام ) فمعلوم أن خطابه تعالى بقوله ( فلا تسرف في القتل ) نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإن كان موجها إليه أنه معنى به جميع عباده ، فكذلك نهيه ولي المقتول أو القاتل عن الاسراف في القتل ، والتعدي فيه نهي لجميعهم ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك . وقد اختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك نحو اختلاف القراء في قراءتهم إياه . ذكر من تأول ذلك بمعنى الخطاب لرسول صلى الله عليه وسلم : 16822 - حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن طلق بن حبيب ، في قوله : ( قلا تسرف في القتل ) قال : لا تقتل غير قاتله ، ولا تمثل به . * - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير . عن منصور ، عن طلق بن حبيب ، بنحوه . الثوري ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : ( فلا تسرف في القتل ) قال : لا تقتل اثنين بواحد . 16824 - حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( فلا تسرف في القتل إنه كان منصورا ) كان هذا بمكة ، ونبي الله صلى عليه وسلم بها ، وهو أول شئ نزل من القرآن في شأن القتل ، كان المشركون يغتالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله تبارك وتعالى : من قتلكم من المشركين ، فلا يحملنكم قتله إياكم عن أن تقتلوا له أبا أخا أو أحدا من عشيرته ، وإن كانوا مشركين ، فلا تقتلوا إلا قاتلكم ، وهذا قبل أن تنزل براءة ، وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين ، فذلك قوله :