محمد بن جرير الطبري

205

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فإن قال لنا قائل : وكيف جعل لكم سرابيل تقيكم الحر ، فخص ، بالذكر الحر دون البر ، وهي تقي الحر والبرد ؟ أم كيف قيل : * ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) * وترك ذكر ما جعل لهم من السهل ؟ قيل له : قد أختلف في الذي من أجله جاء التنزيل كذلك ، وسنذكر ما قيل في ذلك ندل على أولى الأقوال في ذلك بالصواب . فروي عن عطاء الخراساني قي ذلك ما : حدثني الحارث قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا محمد بن كثير ، عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، قال : إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم ، ألا ترى إلى قوى الله تعالى ذكره : * ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ) * وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر ، ولكنهم ، كانوا أصحاب جبال ، ألا ترى إلى قوله : * ( ومن أصوافها من السهول أعظم وأكثر ، ولكنهم كانوا أصحاب جبال ، ألا ترى إلى قوله : * ( ومن أصواب وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ) * وما وجعل له عن غير ذلك أعظم منه و ؟ أكثر ، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر ، ألا ترى إلى قوله : * ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) * يعجبهم من ذلك ؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر ولكنهم ، كانوا لا يعرفون به ، ألا ترى إلى قوله : * ( سرابيل تقيكم الحر ) * وما تقى من البرد أكثر وأعظم ؟ ولكنهم كانوا أصحاب حر . فالسبب الذي من أجله خص ، الله تعالى ذكره السرابيل بأنها تقي الحردون البرد على هذا القول ، هو أن المخاطبين بذلك كانوا أصحاب حر ، فذكر الله تعالى ذكره نعمته عليهم سائر الأحرف الأخر . وقال : آخرون : ذكر ذلك خاصة اكتفاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر ، إذا كان معلوما عند المخاطبين به معناه ، وأن السرابيل التي تقي أيضا البرد ، وقالوا : ذلك موجود في كلام العرب مستعمل ، واستشهدوا لقولهم بقول الشاعر : وما أدري إذا يممت وجها * أريد الخير أيهما يليني