محمد بن جرير الطبري

198

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن الضحاك : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم قال : إنما هذا مثل ضربه الله . وقال آخرون : بل كلا المثلين للمؤمن والكافر . وذلك قول يروى عن ابن عباس ، وقد ذكرنا الرواية عنه في المثل الأول في موضعه . وأما في المثل الآخر : فحدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه . . . إلى آخر الآية ، يعني بالأبكم : الذي هو كل على مولاه الكافر ، وبقوله : ومن يأمر بالعدل المؤمن ، وهذا المثل في الأعمال . حدثنا الحسن بن الصباح البزار ، قال : ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني ، قال : ثنا حماد ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن إبراهيم ، عن عكرمة ، عن يعلى بن أمية ، عن ابن عباس ، في قوله : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا قال : نزلت في رجل من قريش وعبده . وفي قوله : مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ . . . إلى قوله : وهو على صراط مستقيم قال : هو عثمان بن عفان . قال : والأبكم الذي أينما يوجه لا يأت بخير ، ذاك مولى عثمان بن عفان ، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة ، وكان الآخر يكره الاسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف ، فنزلت فيهما . وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأول لأنه تعالى ذكره مثل مثل الكافر بالعبد الذي وصف صفته ، ومثل مثل المؤمن بالذي رزقه رزقا حسنا فهو ينفق مما رزقه سرا وجهرا ، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلا ، إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شئ بأنه لم يرزقه رزقا ينفق منه سرا ومثل المؤمن الذي وفقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بما يرضاه الله ، كالحر الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرا وجهرا ، والله تعالى ذكره هو الرازق غير المرزوق ، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن . وأما المثل الثاني ، فإنه تمثيل منه تعالى ذكره من مثله الأبكم الذي لا يقدر على شئ