محمد بن جرير الطبري
195
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضرا ولا نفعا ، ولا حياة ولا نشورا . وقوله : فلا تضربوا لله الأمثال فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون يقول : والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه ، وغير ذلك من سائر الأشياء ، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه . واختلف أهل العربية في الناصب قوله : شيئا فقال بعض البصريين : هو منصوب على البدل من الرزق ، وهو في معنى : لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا . وقال بعض الكوفيين : نصب شيئا بوقوع الرزق عليه ، كما قال تعالى ذكره : ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا . أي تكفت الاحياء والأموات ، ومثله قوله تعالى ذكره : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة . قال : ولو كان الرزق مع الشئ لجاز خفضه ، لا يملك لكم رزق شئ من السماوات ، ومثله : فجزاء مثل ما قتل من النعم . القول في تأويل قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) . يقول تعالى ذكره : وشبه لكم شبها أيها الناس للكافر من عبيده ، والمؤمن به منهم . فأما مثل الكافر : فإنه لا يعمل بطاعة الله ، ولا يأتي خيرا ، ولا ينفق في شئ من سبيل الله ماله لغلبة خذلان الله عليه ، كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شئ فينفقه . وأما المؤمن بالله فإنه يعمل بطاعة الله وينفق في سبيله ماله كالحر الذي آتاه الله مالا فهو ينفق منه سرا وجهرا ، يقول : بعلم من الناس وغير علم . هل يستوون يقول هل يستوي العبد الذي لا يملك شيئا ولا يقدر عليه ، وهذا الحر الذي قد رزقه الله رزقا حسنا فهو ينفق كما وصف ؟ فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره والمؤمن العامل بطاعته .