محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إنما سكرت أبصارنا قال : سكرت ، السكران الذي لا يعقل . وقال آخرون : معنى ذلك : عميت . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن الكلبي : سكرت قال : عميت . وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال : معنى ذلك : أخذت أبصارنا وسحرت ، فلا تبصر الشئ على ما هو به ، وذهب حد إبصارنا وانطفأ نوره كما يقال للشئ الحار إذا ذهبت فورته وسكن حد حرة : قد سكر يسكر . قال المثنى بن جندل الطهوي : جاء الشتاء واجثأل القبر * واستخفت الأفعى وكانت تظهر وجعلت عين الحرور تسكر أي تسكن وتذهب وتنطفئ . وقال ذو الرمة : قبل انصداع الفجر والتهجر * وخوضهن الليل حين يسكر يعني : حين تسكن فورته . وذكر عن قيس أنها تقول : سكرت الريح تسكر سكورا ، بمعنى : سكنت . وإن كان ذلك عنها صحيحا ، فإن معنى سكرت وسكرت بالتخفيف والتشديد متقاربان ، غير أن القراءة التي لا أستجيز غيرها في القرآن : سكرت بالتشديد لاجماع الحجة من القراءة عليها ، وغير جائز خلافها فيما جاءت به مجمعة عليه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ) * .