محمد بن جرير الطبري

182

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

جعلت عيب الأكرمين سكرا أي طعما . والثالث : السكون ، من قول الشاعر : جعلت عين الحرور تسكر وقد بينا ذلك فيما مضى . والرابع : المصدر من قولهم : سكر فلان يسكر سكرا وسكرا وسكرا . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان ما يسكر من الشراب حراما بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى : لطيف القول في أحكام شرائع الاسلام وكان غير جائز لنا أن نقول : هو منسوخ ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه ، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السكر الذي هو غير الخمر ، وغير ما يسكر من الشراب ، حرام إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب ، ومن نزل بلسانه القرآن هو كل ما طعم ، ولم يكن مع ذلك ، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول ، ولا أجمعت عليه الأمة ، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السكر في هذا الموضع : هو كل ما حل شربه مما يتخذ من ثمر النخل والكرم ، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب ، وخرج من أن يكون معناه السكر نفسه ، إذ كان السكر ليس مما يتخذ من النخل والكرم ، ومن أن يكون بمعنى السكون . وقوله : إن في ذلك لآية لقوم يعقلون يقول : فيما إن وصفنا لكم من نعمنا التي آتيناكم أيها الناس من الانعام والنخل والكرم ، لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه ويفهمون عنه مواعظه فيتعظون بها . القول في تأويل قوله تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ) يقول تعالى ذكره : وألهم ربك يا محمد النحل إيحاء إليها أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون يعني : مما يبنون من السقوف ، فرفعوها بالبناء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :