محمد بن جرير الطبري
155
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فقال : بفي الشامتين ، ولم يقل : بأفواه وقول الآخر : الواردون وتيم في ذرا سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس ولم يقل : جلود . القول في تأويل قوله تعالى : ( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ) يقول تعالى ذكره : ولله يخضع ويستسلم لامره ما في السماوات وما في الأرض من دابة يدب عليها ، والملائكة التي في السماوات ، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة . والذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون وظلالهم تتفيأ عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون . وكان بعض نحويي البصرة يقول : اجتزئ بذكر الواحد من الدواب عن ذكر الجميع . وإنما معنى الكلام : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من الدواب والملائكة ، كما يقال : ما أتاني من رجل ، بمعنى : ما أتاني من الرجال . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : إنما قيل : من دابة ، لان ما وإن كانت قد تكون على مذهب الذي ، فإنها غير مؤقتة ، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء ، والجزاء يدخل من فيما جاء من اسم بعده من النكرة ، فيقال : من ضربه من رجل فاضربوه ، ولا تسقط من من هذا الموضع كراهية أن تشبه أن تكون حالا ل من وما ، فجعلوه بمن ليدل على أنه تفسير لما ومن لأنهما غير موقتتين ، فكان دخول من فيما بعدهما تفسيرا لمعناهما ، وكان دخول من أدل على ما لم يوقت من من وما ، فلذلك لم تلغيا . القول في تأويل قوله تعالى :