محمد بن جرير الطبري
138
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) يقول تعالى ذكره : ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة ، واجتنبوا الطاغوت يقول : وابعدوا من الشيطان ، واحذروا أن يغويكم ويصدكم عن سبيل الله فتضلوا . فمنهم من هدى الله يقول : فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله ، فوفقه لتصديق رسله والقبول منها والايمان بالله والعمل بطاعته ، ففاز وأفلح ونجا من عذاب الله ومنهم من حقت عليه الضلالة يقول : وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقت عليهم الضلالة ، فجاروا عن قصد السبيل ، فكفروا بالله وكذبوا رسله واتبعوا الطاغوت ، فأهلكهم الله بعقابه وأنزل عليهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين . فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين يقول تعالى ذكره لمشركي قريش : إن كنتم أيها الناس غير مصدقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حل بهم ما حل من بأسنا بكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله ، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها والبلاد التي كانوا يعمرونها فانظروا إلى آثار الله فيهم وآثار سخطه النازل بهم ، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم ، فإنكم ترون حقيقة ذلك وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد ( ص ) . القول في تأويل قوله تعالى : ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين إلى الايمان بالله واتباع الحق فإن الله لا يهدي من يضل . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفيين : فإن الله لا يهدي من يضل بفتح الياء من يهدي ، وضمها من يضل . وقد اختلف في معنى ذلك قارئوه كذلك ، فكان بعض نحويي الكوفة يزعم أن معناه : فإن الله من أضله لا يهتدي ، وقال : العرب تقول : قد هدي الرجل يريدون قد اهتدى ، وهدي واهتدى بمعنى واحد . وكان