محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
آخرون منهم يزعمون أن معناه : فإن الله لا يهدي من أضله ، بمعنى : أن من أضله الله فإن الله لا يهديه . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والشام والبصرة : فإن الله لا يهدى بضم الياء من يهدى ومن يضل وفتح الدال من يهدى بمعنى : من أضله الله فلا هادي له . وهذه القراءة أولى القراءتين عندي بالصواب ، لان يهدي بمعنى يهتدى قليل في كلام العرب غير مستفيض ، وأنه لا فائدة في قول قائل : من أضله الله فلا يهديه ، لان ذلك مما لا يجهله أحد . وإذ كان ذلك كذلك ، فالقراءة بما كان مستفيضا في كلام العرب من اللغة بما فيه الفائدة العظيمة أولى وأحرى . فتأويل الكلام لو كان الامر على ما وصفنا : إن تحرص يا محمد على هداهم ، فإن من أضله الله فلا هادي له ، فلا تجهد نفسك في أمره وبلغه ما أرسلت به لتتم عليه الحجة . وما لهم من ناصرين يقول : وما لهم من ناصر ينصرهم من الله إذا أراد عقوبتهم ، فيحول بين الله وبين ما أراد من عقوبتهم . وفي قوله : إن تحرص لغتان : فمن العرب من يقول : حرص يحرص بفتح الراء في فعل وكسرها في يفعل . وحرص يحرص بكسر الراء في فعل وفتحها في يفعل . والقراءة على الفتح في الماضي والكسر في المستقبل ، وهي لغة أهل الحجاز . القول في تأويل قوله تعالى ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يقول تعالى ذكره : وحلف هؤلاء المشركون من قريش بالله جهد أيمانهم حلفهم ، لا يبعث الله من يموت بعد مماته ، وكذبوا وأبطلوا في أيمانهم التي حلفوا بها كذلك ، بل سيبعثه الله بعد مماته ، وعدا عليه أن يبعثهم وعد عباده ، والله لا يخلف الميعاد . ولكن أكثر الناس لا يعلمون يقول : ولكن أكثر قريش لا يعلمون وعد الله عباده أنه باعثهم يوم القيامة بعد مماتهم أحياء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :