محمد بن جرير الطبري
130
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
لحم ، فطرن ، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض ، فرأى الجبال تدب كدبيب النمل . ثم رفع لهن اللحم ، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء . ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة ، فلم ير ما فوقه وما تحته ، ففزع ، فألقى اللحم ، فاتبعته منقضات . فلما نظرت الجبال إليهن ، وقد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهن ، فزعت الجبال ، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن ، وذلك قول الله تعالى : ( وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) ( 1 ) . ، وهي في قراءة ابن مسعود : ( وإن كاد مكرهم ) . فكان طيرورتهن به من بيت المقدس ووقوعهن به في جبل الدخان . فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح ، فبنى حتى إذا شيده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر ، يزعم إلى إله إبراهيم ، فأحدث ، ولم يكن يحدث ، وأخذ الله بنيانه من القواعد ( فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) يقول : من مأمنهم ، وأخذهم من أساس الصرح ، فتنقض بهم فسقط . فتبلبت ألسن الناس يومئذ من الفزع ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا ، فلذلك سميت بابل . وإنما كان لسانا الناس من قبل ذلك بالسريانية . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( وقد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد ) قال : هو نمرود حين بنى الصرح ( 2 ) . حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم : إن أول جبار كان في الأرض نمرود ، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره ، فمكث أربع مئة سنة يضرب رأسه بالمطارق ، أرحم الناس به من جمع يديه ، فضرب رأسه بهما ، وكان جبارا أربع مئة سنة ، فعذبه الله أربع مئة سنة كملكه ، ثم أماته الله . وهو الذي كان بنى صرحا إلى السماء ، وهو الذي قال الله : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ) ( 3 ) . وأما قوله : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) فإن معناه : هدم الله بنيانهم من أصله . والقواعد : جمع قاعدة وهي الأساس . وكان بعضهم يقول : هذا مثل للاستئصال ، وإنما معناه : إن الله استأصلهم . وقال : العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشئ .