محمد بن جرير الطبري
103
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) اختلفت القراء في قراءة قوله : ينزل الملائكة فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة : ينزل الملائكة بالياء وتشديد الزاي ونصب الملائكة ، بمعنى ينزل الله الملائكة بالروح . وقرأ ذلك بعض البصريين وبعض المكيين : ينزل الملائكة بالياء وتخفيف الزاي ونصب الملائكة . وحكي عن بعض الكوفيين أنه كان يقرؤه : تنزل الملائكة بالتاء وتشديد الزاي والملائكة بالرفع ، على اختلاف عنه في ذلك . وقد روي عنه موافقة سائر قراء بلده . وأولى القراءات بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ : ينزل الملائكة بمعنى : ينزل الله ملائكة . وإنما اخترت ذلك ، لان الله هو المنزل ملائكته بوحيه إلى رسله ، فإضافة فعل ذلك إليه أولى وأحق واخترت ينزل بالتشديد على التخفيف ، لأنه تعالى ذكره كان ينزل من الوحي على من نزله شيئا بعد شئ ، والتشديد به إذ كان ذلك معناه أولى من التخفيف . فتأويل الكلام : ينزل الله ملائكته بما يحيا به الحق ويضمحل به الباطل من أمره على من يشاء من عباده يعني على من يشاء من رسله أن أنذروا ف أن الأولى في موضع خفض ، ردا على الروح ، والثانية في موضع نصب ب أنذروا . ومعنى الكلام : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ، بأن أنذروا عبادي سطوتي على كفرهم بي وإشراكهم في اتخاذهم معي الآلهة والأوثان ، فإنه لا إله إلا أنا يقول : لا تنبغي الألوهة إلا لي ، ولا يصلح أن يبعد شئ سواي ، فاتقون يقول : فاحذروني بأداء فرائضي وإفراد العبادة وإخلاص الربوبية لي ، فإن ذلك نجاتكم من الهلكة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ينزل الملائكة بالروح يقول : بالوحي .