محمد بن جرير الطبري
326
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المعنى : فلا تحسبن الله مخلف رسله وعده . فالوعد وإن كان مخفوضا بإضافة مخلف إليه ، ففي معنى النصب ، وذلك أن الاخلاف يقع على منصوبين مختلفين ، كقول القائل : كسوت عبد الله ثوبا ، وأدخلته دارا . وإذا كان الفعل كذلك يقع على منصوبين مختلفين ، جاز تقديم أيهما قدم ، وخفض ما ولي الفعل الذي هو في صورة الأسماء ونصب الثاني ، فيقال : أنا مدخل عبد الله الدار ، وأنا مدخل الدار عبد الله ، إن قدمت الدار إلى المدخل وأخرت عبد الله خفضت الدار ، إذ أضيف مدخل إليها ، ونصب عبد الله وإن قدم عبد الله إليه ، وأخرت الدار ، خفض عبد الله بإضافة مدخل إليه ، ونصب الدار وإنما فعل ذلك كذلك ، لان الفعل أعني مدخل يعمل في كل واحد منهما نصبا نحو عمله في الآخر ومنه قول الشاعر : ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه * وسائره باد إلى الشمس أجمع أضاف مدخل إلى الظل ، ونصب الرأس وإنما معنى الكلام : مدخل رأسه الظل . ومنه قول الآخر : فرشني بخير لا أكون ومدحتي * كناحت يوم صخرة بعسيل والعسيل : الريشة جمع بها الطيب ، وإنما معنى الكلام : كناحت صخرة يوما بعسيل ، وكذلك قول الآخر : رب ابن عم لسليمى مشمعل * طباخ ساعات الكرى زاد الكسل