محمد بن جرير الطبري

261

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

إخلاص العبادة لله واتباع الرسل الذين أرسلوا إليهم : إنا كنا لكم تبعا في الدنيا ، والتبع : جمع تابع ، كما الغيب جمع غائب . وإنما عنوا بقولهم : إنا كنا لكم تبعا أنهم كانوا أتباعهم في الدنيا يأتمرون لما يأمرونهم به من عبادة الأوثان والكفر بالله ، وينتهون عما نهوهم عنه من اتباع رسل الله . فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ يعنون : فهل أنتم دافعون عنا اليوم من عذاب الله من شئ . وكان ابن جريج يقول نحو ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وقال الضعفاء قال : الاتباع للذين استكبروا قال : للقادة . وقوله : لو هدانا الله لهديناكم يقول عز ذكره : قالت القادة على الكفر بالله لتباعها : لو هدانا الله يعنون : لو بين الله لنا شيئا ندفع به عذابه عنا اليوم ، لهديناكم لبينا ذلك لكم حتى تدفعوا العذاب عن أنفسكم ، ولكنا قد جزعنا من العذاب فلم ينفعنا جزعنا منه وصبرنا عليها . سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص يعنون : ما لهم من مزاغ يزوغون عنه ، يقال منه : حاص عن كذا إذا زاغ عنه يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن الحكم ، عن عمر بن أبي ليلى أحد بني عامر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : بلغني أو ذكر لي أن أهل النار قال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ، إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا قال : فيجمعون رأيهم على الصبر ، قال : فصبروا فطال صبرهم ، ثم جزعوا فنادوا : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص أي منجي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص قال : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ، فتعالوا نبكي ونتضرع إلى الله قال : فبكوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فما أدرك أهل الجنة الجنة إلا بالصبر ، تعالوا نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص . القول في تأويل قوله تعالى : ( وقال الشيطان لما قضي الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني