محمد بن جرير الطبري

262

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ) يقول تعالى ذكره : وقال إبليس لما قضي الامر ، يعني لما أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار واستقر بكل فريق منهم قرارهم : إن الله وعدكم أيها الاتباع النار ، ووعدتكم النصرة فأخلفتكم وعدي ، ووفى الله لكم بوعده . وما كان لي عليكم من سلطان يقول : وما كان لي عليكم فيما وعدتكم من النصرة من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي إلا أن دعوتكم وهذا الاستثناء المنقطع عن الأول كما تقول : ما ضربته إلا أنه أحمق ، ومعناه : ولكن دعوتكم فاستجبتم لي يقول : إلا أن دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله ، فاستجبتم لدعائي . فلا تلوموني على إجابتكم إياي ولوموا أنفسكم عليها . ما أنا بمصرخكم يقول : ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمصرخي ولا أنتم بمغيثي من عذاب الله فمنجي منه . إني كفرت بما أشركتمون من قبل يقول : إني جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم من قبل في الدنيا . إن الظالمين لهم عذاب أليم يقول : إن الكافرين بالله لهم عذاب أليم من الله موجع ، يقال : أصرخت الرجل : إذا أغثته إصراخا ، وقد صرخ الصارخ يصرخ ، ويصرخ قليلة وهو الصريخ والصراخ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر في هذه الآية : ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل قال : خطيبان يقومان يوم القيامة : إبليس ، وعيسى ابن مريم فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول هذا القول وأما عيسى عليه السلام فيقول : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : يقوم خطيبان يوم القيامة : أحدهما عيسى ، والآخر إبليس فأما إبليس فيقوم في حزبه