محمد بن جرير الطبري

225

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : وعنده أصل الكتاب وجملته وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، ثم عقب ذلك بقوله : وعنده أم الكتاب فكان بينا أن معناه : وعنده أصل المثبت منه والمحو ، وجملته في كتاب لديه . واختلفت القراء في قراءة قوله : ويثبت فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة : ويثبت بتشديد الباء بمعنى : ويتركه ويقره على حاله ، فلا يمحوه . وقرأه بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين : ويثبت بالتخفيف ، بمعنى : يكتب ، وقد بينا قبل أن معنى ذلك عندنا : إقراره مكتوبا وترك محوه على ما قد بينا ، فإذا كان ذلك كذلك فالتثبيت به أولى ، والتشديد أصوب من التخفيف ، وإن كان التخفيف قد يحتمل توجيهه في المعنى إلى التشديد والتشديد إلى التخفيف ، لتقارب معنييهما . وأما المحو ، فإن للعرب فيه لغتين : فأما مضر فإنها تقول : محوت الكتاب أمحوه محوا ، وبه التنزيل ، ومحوته أمحاه محوا . وذكر عن بعض قبائل ربيعة : أنها تقول : محيت أمحى . القول في تأويل قوله تعالى : ( وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم ، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك ، فإنما عليك أن تنتهي إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته ، لا طلب صلاحهم ولا فسادهم ، وعلينا محاسبتهم فمجازاتهم بأعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر . القول في تأويل قوله تعالى : ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : أو لم ير هؤلاء المشركون