محمد بن جرير الطبري

177

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فهذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها ، فأما الشك فلا ينفع معه العمل ، وأما اليقين فينفع الله به أهله ، وهو قوله : فأما الزبد فيذهب جفاء وهو الشك ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وهو اليقين ، كما يجعل الحلي في النار ، فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار ، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ومما يوقدون عليه في النار فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد ، وللنحاس والحديد خبث ، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة ، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت . فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله ، والعمل السيئ يضمحل عن أهله ، كما يذهب هذا الزبد ، فكذلك الهدى والحق جاء من عند الله ، فمن عمل بالحق كان له وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض ، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتؤكل خبثه ، فيخرج جيده فينتفع به ، فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال ، فيريغ الباطل ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق ، ثم قال : ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية . . . إلى : أو متاع زبد مثله فقال : ابتغاء حلية الذهب والفضة ، أو متاع الصفر والحديد . قال : كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد فخلص خالصه ، قال : كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا . حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها قال : ما أطاقت ملأها فاحتمل السيل زبدا رابيا قال : انقضى