محمد بن جرير الطبري
159
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
معقبات من ذكر رسول الله ( ص ) ، ولم يجر له في الآية التي قبلها ولا في التي قبل الأخرى ذكر ، إلا أن يكون أراد أن يردها على قوله : إنما أنت منذر ولكل قوم هاد له معقبات فإن كان أراد ذلك ، فذلك بعيد لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله ( ص ) . وإذا كان كذلك ، فكونها عائدة على من التي في قوله : ومن هو مستخف بالليل أقرب ، لأنه قبلها والخبر بعدها عنه . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : سواء منكم أيها الناس من أسر القول ومن جهر به عند ربكم ، ومن هو مستخف بفسقه وريبته في ظلمة الليل ، وسارب : يذهب ويجئ في ضوء النهار ممتنعا بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بينه وبين ما يأتي من ذلك ، وأن يقيموا حد الله عليه ، وذلك قوله : يحفظونه من أمر الله . وقوله : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم يقول تعالى ذكره : إن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض ، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره . وقوله : وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له يقول : وإذا أراد الله بهؤلاء الذين يستخفون بالليل ويسربون بالنهار ، لهم جند ومنعة من بين أيديهم ومن خلفهم ، يحفظونهم من أمر الله هلاكا وخزيا في عاجل الدنيا فلا مرد له يقول : فلا يقدر على رد ذلك عنهم أحد غير الله . يقول تعالى ذكره : وما لهم من دونه من وال يقول : وما لهؤلاء القوم ، والهاء والميم في لهم من ذكر القوم الذين في قوله : وإذا أراد الله بقوم سوءا . من دون الله من وال يعني : من وال يليهم ويلي أمرهم وعقوبتهم . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : السوء : الهلكة ، ويقول : كل جذام وبرص وعمى وبلاء عظيم فهو سوء مضموم الأول ، وإذا فتح أوله فهو مصدر سؤت ، ومنه قولهم : رجل سوء . واختلف أهل العربية في معنى قوله : ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار فقال بعض نحويي أهل البصرة : معنى قوله : ومن هو مستخف بالليل ومن هو ظاهر بالليل ، من قولهم : أخفيت الشئ : إذا أظهرته ، وكما قال امرؤ القيس : فإن تكتموا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد وقال : وقد قرئ أكاد أخفيها بمعنى : أظهرها . وقال في قوله : وسارب