محمد بن جرير الطبري

160

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

بالنهار السارب : هو المتواري ، كأنه وجهه إلى أنه صار في السرب بالنهار مستخفيا . وقال بعض نحويي البصرة والكوفة : إنما معنى ذلك : ومن هو مستخف : أي مستتر بالليل من الاستخفاء ، وسارب بالنهار : وذاهب بالنهار ، من قولهم : سربت الإبل إلى المراعي ، وذلك ذهابها إلى المراعي وخروجها إليها . وقيل : إن السروب بالعشي والسروح بالغداة . واختلفوا أيضا في تأنيث معقبات ، وهي صفة لغير الإناث ، فقال بعض نحويي البصرة : إنما أنثت لكثرة ذلك منها ، نحو : نسابة وعلامة ، ثم ذكر لان المعنى مذكر ، فقال : يحفظونه . وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هي ملائكة معقبة ، ثم جمعت معقبات ، فهو جمع جمع ، ثم قيل : يحفظونه ، لأنه للملائكة . وقد تقدم قولنا في معنى المستخفي بالليل والسارب بالنهار . وأما الذي ذكرناه عن نحويي البصريين في ذلك فقول وإن كان له في كلام العرب وجه خلاف لقول أهل التأويل ، وحسبه من الدلالة على فساده خروجه عن قول جميعهم . وأما المعقبات ، فإن التعقيب في كلام العرب العود بعد البدء والرجوع إلى الشئ بعد الانصراف عنه ، من قول الله تعالى : ولى مدبرا ولم يعقب : أي لم يرجع ، وكما قال سلامة بن جندل : وكرنا الخيل في آثارهم رجعا * كس السنابك من بدء وتعقيب يعني : في غزو ثان عقبوا وكما قال طرفة : ولقد كنت عليكم عاتبا * فعقبتم بذنوب غير مر يعني بقوله : عقبتم : رجعتم ، وأتاها التأنيث عندنا ، وهي من صفة الحرس الذي