محمد بن جرير الطبري

117

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) يقول تعالى ذكره : لقد كان في قصص يو سف وإخوته عبرة لأهل الحجا والعقول ، يعتبرون بها وموعظة يتعظون بها وذلك أن الله جل ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجب ليهلك ، ثم بيع بيع العبيد بالخسيس من الثمن ، وبعد الإسار والحبس الطويل ملكه مصر ومكن له في الأرض وأعلاه على من بغاه سوءا من إخوته ، وجمع بينه وبين والديه وإخوته بقدرته بعد المدة الطويلة ، وجاء بهم إليه من الشقة النائية البعيدة . فقال جل ثناؤه للمشركين من قريش من قوم نبيه محمد ( ص ) : لقد كان لكم أيها القوم في قصصهم عبرة لو اعتبرتم به ، أن الذي فعل ذلك بيوسف وإخوته لا يتعذر عليه أن يفعل مثله بمحمد ( ص ) ، فيخرجه من بين أظهركم ثم يظهره عليكم ويمكن له في البلاد ويؤيده بالجند والرجال من الاتباع والأصحاب ، وإن مرت به شدائد وأتت دونه الأيام والليالي والدهور والأزمان . وكان مجاهد يقول : معنى ذلك : لقد كان في قصصهم عبرة ليوسف وإخوته . ذكر الرواية بذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : لقد كان في قصصهم عبرة ليوسف وإخوته . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : عبرة ليوسف وإخوته . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب قال : يوسف وإخوته . وهذا القول الذي قاله مجاهد وإن كان له وجه يحتمله التأويل ، فإن الذي قلنا في ذلك أولى به لان ذلك عقيب الخبر عن نبينا ( ص ) وعن قومه من المشركين ، وعقيب تهديدهم ووعيدهم على الكفر بالله وبرسوله محمد ( ص ) ، ومنقطع عن خبر يوسف وإخوته ، ومع ذلك أنه خبر عام عن جميع ذوي الألباب ، أن قصصهم لهم عبرة ، وغير مخصوص