محمد بن جرير الطبري

116

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

كذبوا وافتروا على الله بكفرهم بها . ويكون الظن موجها حينئذ إلى معنى العلم ، على ما تأوله الحسن وقتادة . وأما قوله : فنجي من نشاء فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأه عامة قراء أهل المدينة ومكة والعراق : فننجي من نشاء بنونين ، بمعنى : فننجي نحن من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا ، دون الكافرين الذين كذبوا رسلنا إذا جاء الرسل نصرنا . واعتل الذين قرأوا ذلك كذلك أنه إنما كتب في المصحف بنون واحدة ، وحكمه أن يكون بنونين ، لان إحدى النونين حرف من أصل الكلمة ، من أنجى ينجي ، والأخرى النون التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال ، من فعل جماعة مخبرة عن أنفسها ، لأنهما حرفان أعني النونين من جنس واحد يخفى الثاني منهما عن الاظهار في الكلام ، فحذفت من الخط واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة ، كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يدغم أحدهما في صاحبه . وقرأ ذلك بعض الكوفيين على هذا المعنى ، غير أنه أدغم النون الثانية وشدد الجيم . وقرأه آخر منهم بتشديد الجيم ونصب الياء على معنى فعل ذلك به من نجيته أنجيه . وقرأ ذلك بعض المكيين : فنجا من نشاء بفتح النون والتخفيف ، من نجا من عذاب الله من نشاء ينجو . والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ : فننجي من نشاء بنونين ، لان ذلك هو القراءة التي عليها القراءة في الأمصار ، وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القراء ، وغير جائز خلاف ما كان مستفيضا بالقراءة في قراءة الأمصار . وتأويل الكلام : فننجي الرسل ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال ثني عمي : قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : فننجي من نشاء فننجي الرسل ومن نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث الرسل ، فدعوا قومهم . وأخبروهم أنه من أطاع نجا ومن عصاه عذب وغوى . وقوله ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين يقول : ولا ترد عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا عن القوم الذين أجرموا ، فكفروا بالله وخالفوا رسله وما أتوهم به من عنده . القول في تأويل قوله تعالى :