محمد بن جرير الطبري

115

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قتادة : حتى إذا استيأس الرسل قال : من قومهم وظنوا أنهم قد كذبوا قال : وعلموا قد كذبوا ، جاءهم نصرنا . وبهذه القراءة كانت تقرأ عامة قراء المدينة والبصرة والشام ، أعني بتشديد الذال من كذبوا وضم كافها . وهذا التأويل الذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك إذا قرئ بتشديد الذال وضم الكاف خلاف لما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصحابة ، لأنه لم يوجه الظن في هذا الموضع منهم أحد إلى معنى العلم واليقين ، مع أن الظن إنما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة ، فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة فإنها لا تستعمل فيه الظن ، لا تكاد تقول : أظنني حيا وأظنني إنسانا ، بمعنى : أعلمني إنسانا وأعلمني حيا . والرسل الذين كذبتهم أممهم ، لا شك أنها كانت لأممها شاهدة ولتكذيبها إياها منها سامعة ، فيقال فيها : ظنت بأممها أنها كذبتها . وروي عن مجاهد في ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الذين سمينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم وتأويل خلاف تأويلهم وقراءة غير قراءة جميعهم ، وهو أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ : وظنوا أنهم قد كذبوا بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال . ذكر الرواية عنه بذلك : حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا أبو عبيد ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، أنه قرأها : كذبوا بفتح الكاف بالتخفيف . وكان يتأوله كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : استيأس الرجل أن تعذب قومهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا ، جاءهم نصرنا ، قال : جاء الرسل نصرنا . قال مجاهد : قال في المؤمن : فلما جاءتهم رسلنا بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم قال : قولهم نحن أعلم منهم ، ولن نعذب . وقوله : وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون قال : حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق . وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها لاجماع الحجة من قراء الأمصار على خلافها ، ولو جازت القراءة بذلك لاحتمل وجها من التأويل وهو أحسن مما تأوله مجاهد ، وهو : حتى إذا استيأس الرسل من عذاب الله قومها المكذبة بها ، وظنت الرسل أن قومها قد