محمد بن جرير الطبري
48
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
علينا في كتابه : رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا إلى آخر القصة ، حتى قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا إلى آخر القصة . فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم ، أوحي الله إليه أن واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي بعد اليوم ، إنهم مغرقون . فأقبل نوح على عمل الفلك ، ولهي عن قومه ، وجعل يقطع الخشب ، ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو . وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله ، فيسخرون منه ويستهزئون به ، فيقول : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم . قال : ويقولون له فيما بلغني : يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة قال : وأعقم الله أرحام النساء ، فلا يولد لهم ولد . قال : ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج ، وأن يصنعه أزور ، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه ، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا ، وأن يجعله ثلاثة أطباق : سفلا ووسطا وعلوا ، وأن يجعل فيه كوى . ففعل نوح كما أمره الله ، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه إذا جاء أمرنا وفار التنور فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل ، وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه ( ف ) قال إذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واركب . فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله ، وكانوا قليلا كما قال الله ، وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ذكر وأنثى ، فحمل فيه بنيه الثلاثة : سام وحام ويافت ونساءهم ، وستة أناس ممن كان آمن به ، فكانوا عشرة نفر : نوح وبنوه وأزواجهم ، ثم أدخل ما أمره به من الدواب وتخلف عنه ابنه يام ، وكان كافرا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن بن دينار ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : سمعته يقول : كان