محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الدرة ، وآخر ما حمل الحمار فلما دخل الحمار وأدخل صدره مسك إبليس بذنبه ، فلم تستقل رجلاه ، فجعل نوح يقول : ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح : ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك قال : كلمة زلت عن لسانه . فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله ، فدخل ودخل الشيطان معه ، فقال له نوح : ما أدخلك علي يا عدو الله ؟ فقال : ألم تقل : ادخل وإن كان الشيطان معك ؟ قال : اخرج عنها عني يا عدو الله فقال : ما لك بد من أن تحملني . فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك . فلما اطمأن نوح في الفلك ، وأدخل فيه من آمن به ، وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ست مئة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر فلما دخل وحمل معه من حمل ، تحرك ينابيع الغوط الأكبر ، وفتح أبواب السماء ، كما قال الله لنبيه محمد ( ص ) : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة ، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة . ثم احتمل الماء كما تزعم أهل التوراة ، وكثر الماء واشتد وارتفع يقول الله لمحمد : وحملناه على ذات ألواح ودسر والدسر : المسامير ، مسامير الحديد . فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال ونادى نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك ، وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعد ربه ما رأى فقال : يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين وكان شقيا قد أضمر كفرا ، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت ، فظن أن ذلك كما كان يعهد . قال نوح : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وكثر الماء حتى طغى وارتفع فوق الجبال كما تزعم أهل التوراة بخمسة عشر ذراعا ، فباد ما على وجه الأرض من الخلق من كل شئ فيه الروح أو شجر ، فلم يبق شئ من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك ، وإلا عوج بن عنق فيما يزعم أهل الكتاب . فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال