محمد بن جرير الطبري
43
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* ( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون ) * . يقول تعالى ذكره : أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك : افترى محمد هذا القرآن ؟ وهذا الخبر عن نوح . قل لهم : إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلي إجرامي يقول : فعلي إثمي في افترائي ما افتريت على ربي دونكم ، لا تؤاخذون بذنبي ولا إثمي ولا أؤاخذ بذنبكم . وأنا برئ مما تجرمون يقول : وأنا برئ مما تذنبون وتأثمون بربكم من افترائكم عليه ، ويقال منه : أجرمت إجراما وجرمت أجرم جرما ، كما قال الشاعر : طريد عشيرة ورهين ذنب * بما جرمت يدي وجنى لساني القول في تأويل قوله تعالى : * ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) * . يقول تعالى ذكره : وأوحى الله إلى نوح لما حق على قومه القول ، وأظلهم أمر الله ، أنه لن يؤمن : يا نوح بالله فيوحده ويتبعك على ما تدعوه إليه من قومك إلا من قد آمن فصدق بذلك واتبعك . فلا تبتئس يقول : فلا تستكن ولا تحزن بما كانوا يفعلون ، فإني مهلكهم ومنقذك منهم ومن اتبعك . وأوحي الله ذلك إليه بعد ما دعا عليهم نوح بالهلاك ، فقال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وهو تفتعل من البؤس ، يقال : ابتأس فلان بالأمر يبتئس ابتئاسا ، كما قال لبيد بن ربيعة : في مأتم كنعاج صارة * يبتئسن بما لقينا