محمد بن جرير الطبري
38
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله بادي الرأي قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجا ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي قال : فيما ظهر لنا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) * . يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه إذ كذبوه وردوا عليه ما جاءهم به من عند الله من النصيحة : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي على علم ومعرفة وبيان من الله لي ما يلزمني له ، ويجب علي من إخلاص العبادة له وترك إشراك الأوثان معه فيها . وآتاني رحمة من عنده يقول : ورزقني منه التوفيق والنبوة والحكمة ، فآمنت به وأطعته فيما أمرني ونهاني . فعميت عليكم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة : فعميت بفتح العين وتخفيف الميم ، بمعنى : فعميت الرحمة عليكم فلم تهتدوا لها فتقروا بها وتصدقوا رسولكم عليها . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : فعميت عليكم بضم العين وتشديد الميم ، اعتبارا منهم ذلك بقراءة عبد الله ، وذلك أنهما فيما ذكر في قراءة عبد الله : فعماها عليكم . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه : فعميت عليكم بضم العين وتشديد الميم للذي ذكروا من العلة لمن قرأ به ، ولقربه من قوله : أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فأضاف الرحمة إلى الله ، فكذلك تعميته على الآخرين بالإضافة إليه أولى . وهذه الكلمة مما حولت العرب الفعل عن موضعه ، وذلك أن الانسان هو الذي يعمى عن إبصار الحق ، إذ يعمى عن إبصاره ، والحق لا يوصف بالعمى إلا على الاستعمال الذي قد جرى به الكلام ، وهو في جوازه لاستعمال العرب إياه نظير قولهم : دخل الخاتم في يدي ، والخف في رجلي ، ومعلوم أن الرجل هي التي تدخل في الخف ، والإصبع في الخاتم ، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك لما كان معلوما المراد فيه . وقوله : أنلزمكموها وأنتم لها كارهون يقول : أنأخذكم بالدخول في الاسلام وقد