محمد بن جرير الطبري
14
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
البلاغ والانذار . والله على كل شئ وكيل يقول : والله القيم بكل شئ وبيده تدبيره ، فانفذ لما أمرتك به ، ولا يمنعك مسألتهم إياك الآيات من تبليغهم وحيي والنفوذ لأمري . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قال الله لنبيه : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك أن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت ، قالوا : لولا أنزل عليه كنز لا نرى معه مالا ، أين المال ؟ أو جاء معه ملك ينذر معه ، إنما أنت نذير فبلغ ما أمرت . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) * يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : كفاك حجة على حقيقة ما أتيتهم به ودلالة على صحة نبوتك هذا القرآن من سائر الآيات غيره ، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالة على صدقه ، لعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها ، وهذا القرآن جميع الخلق عجزة عن أن يأتوا بمثله . فإن هم قالوا : افتريته : أي اختلقته وتكذبته . ودل على أن معنى الكلام ما ذكرنا قوله : أم يقولون افتراه . . . . إلى آخر الآية . ويعني تعالى ذكره بقوله : أم يقولون افتراه أي أيقولون افتراه وقد دللنا على سبب إدخال العرب أم في مثل هذا الموضع فقل لهم : يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات ، يعني مفتعلات مختلفات ، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترى وليس بآية معجزة كسائر ما سألته من الآيات ، كالكنز الذي قلتم : هلا أنزل عليه أو الملك الذي قلتم : هلا جاء معه نذيرا له مصدقا فإنكم قومي وأنتم من أهل لساني ، وأنا رجل منكم ، ومحال أن أقدر أخلق وحدي مئة سورة وأربع عشرة سورة ، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتختلقوا عشر سور مثلها ، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمن شئتم من الخلق . يقول جل ثناؤه : قل لهم : وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله ، يعني سوى الله ، لافتراء ذلك واختلاقه من الآلهة ، فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا عشر سور مثله ، فقد تبين لكم أنكم كذبة في قولكم افتراه ، وصحت عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله ، ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على