محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إن الله أخبر أنه يعذب هؤلاء الذين مردوا على النفاق مرتين ، ولم يضع لنا دليلا نتوصل به إلى علم صفة ذينك العذابين وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم ، وليس عندنا علم بأي ذلك من بأي . على أن في قوله جل ثناؤه : ثم يردون إلى عذاب عظيم دلالة على أن العذاب في المرتين كلتيهما قبل دخولهم النار ، والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر . وقوله : ثم يردون إلى عذاب عظيم يقول : ثم يرد هؤلاء المنافقون بعد تعذيب الله إياهم مرتين إلى عذاب عظيم ، وذلك عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) * . يقول تعالى ذكره : ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق ، ومنهم آخرون اعترفوا بذنوبهم ، يقول : أقروا بذنوبهم . خلطوا عملا صالحا يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ : اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها ، والآخر السيئ هو تخلفهم عن رسول الله ( ص ) حين خرج غازيا ، وتركهم الجهاد مع المسلمين ، فإن قال قائل : وكيف قيل : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، وإنما الكلام : خلطوا عملا صالحا بآخر سيئ ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فكان بعض نحويي البصرة يقول : قيل ذلك كذلك ، وجائز في العربية أن يكون بآخر كما تقول : استوى الماء والخشبة أي بالخشبة ، وخلطت الماء واللبن . وأنكر آخرون أن يكون نظير قولهم : استوى الماء والخشبة . واعتل في ذلك بأن الفعل في الخلط عامل في الأول والثاني ، وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه ، وأن تقديم الخشبة على الماء غير جائز في قولهم : استوى الماء والخشبة ، وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك الخلط . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أنه بمعنى قولهم : خلطت الماء واللبن ، بمعنى خلطته باللبن . عسى الله أن يتوب عليهم يقول : لعل الله أن يتوب عليهم . وعسى من الله واجب ، وإنما معناه : سيتوب الله عليهم ، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت . إن الله غفور رحيم يقول : إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه وساتر له عليها رحيم أن يعذبه بها .