محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
لنؤمنن لك ، ولنرسلن معك بني إسرائيل قال : فواثقوا موسى ميثاقا أخذ عليهم به عهودهم ، وكان الماء أخذهم يوم السبت ، فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر ، فدعا موسى ربه ، فرفع عنهم الماء ، فأعشبت بلادهم من ذلك الماء ، فأقاموا شهرا في عافية ، ثم جحدوا وقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا لبلادنا ، ما نحب أنه لم يكن قال : وقد قال قائل لابن عباس : إني سألت ابن عمر عن الطوفان ، فقال : ما أدري موتا كان أو ماء . فقال ابن عباس : أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت حين ذكر الله قوم نوح فقال : فأخذهم الطوفان وهم ظالمون أرأيت لو ماتوا إلى من جاء موسى عليه السلام بالآيات الأربع بعد الطوفان ؟ قال : فقال موسى : يا رب إن عبادك قد نقضوا عهدك ، وأخلفوا وعدي ، رب خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ، ولقومي عظة ، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية قال : فبعث الله عليهم الجراد فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها ، حتى لم يبق جنى . حتى إذا أفنى الخضر كلها أكل الخشب ، حتى أكل الأبواب ، وسقوف البيوت وابتلى الجراد بالجوع ، فجعل لا يشبع ، غير أنه لا يدخل بيوت بني إسرائيل . فعجوا وصاحوا إلى موسى ، فقالوا : يا موسى هذه المرة ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ، لنؤمنن لك ، ولنرسلن معك بني إسرائيل فأعطوه عهد الله وميثاقه ، فدعا لهم ربه ، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام ، من السبت إلى السبت . ثم أقاموا شهرا في عافية ، ثم عادوا لتكذيبهم ولانكارهم ، ولأعمالهم أعمال السوء ، قال : فقال موسى : يا رب عبادك قد نقضوا عهدي وأخلفوا موعدي ، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ، ولقومي عظة ، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية فأرسل الله عليهم القمل - قال أبو بكر : سمعت سعيد بن جبير والحسن يقولان : كان إلى جنبهم كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين شمس ، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب ، فضربه بعصاه ضربة صار قملا تدب إليهم ، وهي دواب سود صغار ، فدب إليهم القمل ، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ، ولزم جلودهم ، كأنه الجدري عليهم ، فصرخوا وصاحوا إلى موسى : إنا نتوب ولا نعود ، فادع لنا ربك فدعا ربه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، فأقاموا شهرا في عافية ، ثم عادوا وقالوا : ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم ، جعل الرمل دواب ، وعزة فرعون لا نصدقه أبدا ولا نتبعه فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم ، فدعا موسى عليهم ، فقال : يا رب إن عبادك نقضوا عهدي ،