محمد بن جرير الطبري

266

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يقول تعالى ذكره : أعد الله لرسوله محمد ( ص ) وللذين آمنوا معه جنات ، وهي البساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار . خالدين فيها يقول : لابثين فيها ، لا يموتون فيها ، ولا يظعنون عنها . ذلك الفوز العظيم يقول : ذلك النجاء العظيم والحظ الجزيل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ) * . يقول تعالى ذكره : وجاء رسول الله ( ص ) المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم في التخلف . وقعد عن المجئ إلى رسول الله ( ص ) والجهاد معه الذين كذبوا الله ورسوله وقالوا الكذب ، واعتذروا بالباطل فيهم . يقول تعالى ذكره : سيصيب الذين جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه محمد ( ص ) منهم عذاب أليم . فإن قال قائل : فكيف قيل : وجاء المعذرون وقد علمت أن المعذر في كلام العرب إنما هو الذي يعذر في الامر ، فلا يبالغ فيه ولا يحكمه ، وليست هذه صفة هؤلاء ، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله ( ص ) إلى عدوهم ، وحرصوا على ذلك ، فلم يجدوا إليه السبيل ، فهم بأن يوصفوا بأنهم قد أعذروا أولى وأحق منهم بأن يوصفوا بأنهم عذروا . إذا وصفوا بذلك . فالصواب في ذلك من القراءة ما قرأه ابن عباس ، وذلك ما : 13273 - حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي حماد ، قال : ثنا بشر بن عمار ، عن أبي روق عن الضحاك ، قال : كان ابن عباس يقرأ : وجاء المعذرون مخففة ، ويقول : هم أهل العذر . مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه ؟ قيل : إن معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه ، وإن معناه : وجاء المعتذرون من الاعراب ولكن التاء لما جاورت الذال أدغمت فيها ، فصيرتا ذالا مشددة لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى ، كما قيل : يذكرون في يتذكرون ، ويذكر في يتذكر . وخرجت العين من المعذرين إلى الفتح ، لان حركة التاء من المعتذرين وهي الفتحة نقلت إليها فحركت بما كانت به محركة ، والعرب قد توجه في معنى الاعتذار إلى