محمد بن جرير الطبري

267

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الاعذار ، فتقول : قد اعتذر فلان في كذا ، يعني : أعذر ، ومن ذلك قول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فقال : فقد اعتذر ، بمعنى : فقد أعذر . على أن أهل التأويل ، قد اختلفوا في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله ( ص ) معذرين ، فقال بعضهم : كانوا كاذبين في اعتذارهم ، فلم يعذرهم الله . ذكر من قال ذلك : 13274 - حدثني أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، عن الحسين ، قال : كان قتادة يقرأ : وجاء المعذرون من الاعراب قال : اعتذروا بالكتب . 13275 - حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا يحيى بن زكريا ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وجاء المعذرون من الاعراب قال نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا ، فلم يعذرهم الله . فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق . فغير جائز أن يوصفوا بالاعذار إلا أن يوصفوا بأنهم أعذروا في الاعتذار بالباطل . فأما بالحق على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء ، فغير جائز أن يوصفوا به . وقد كان بعضهم يقول : إنما جاءوا معذرين غير جادين ، يعرضون ما لا يريدون فعله . فمن وجهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك ، غير أني لا أعلم أحدا من أهل العلم بتأويل القرآن وجه تأويله إلى ذلك ، فأستحب القول به . وبعد ، فإن الذي عليه من القراءة قراء الأمصار التشديد في الذال ، أعني من قوله : المعذرون ففي ذلك دليل على صحة تأويل من تأوله بمعنى الاعتذار لان القوم الذين وصفوا بذلك لم يكلفوا أمرا عذروا فيه ، وإنما كانوا فرقتين إما مجتهد طائع وإما منافق فاسق لأمر الله مخالف ، فليس في الفريقين موصوف بالتعذير في الشخوص مع رسول الله ( ص ) ، وإنما هو معذر مبالغ ، أو معتذر . فإذا كان ذلك كذلك ، وكانت الحجة من القراء مجمعة على تشديد الذال من المعذرين ، علم أن معناه ما وصفناه من التأويل . وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس .