محمد بن جرير الطبري

205

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

سمعت عكرمة في قوله : إنما الصدقات للفقراء والمساكين قال : لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين ، إنما المساكين مساكين أهل الكتاب . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : الفقير : هو ذو الفقر أو الحاجة ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم في هذا الموضع ، والمسكين : هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم . وإنما قلنا إن ذلك كذلك وإن كان الفريقان لم يعطيا إلا بالفقر والحاجة دون الذلة والمسكنة ، لاجماع الجميع من أهل العلم أن المسكين إنما يعطى من الصدقة المفروضة بالفقر ، وأن معنى المسكنة عند العرب : الذلة ، كما قال الله جل ثناؤه : وضربت عليهم الذلة والمسكنة يعني بذلك الهون ، والذلة لا الفقر . فإذا كان الله جل ثناؤه قد صنف من قسم له من الصدقة المفروضة قسما بالفقر فجعلهم صنفين ، كان معلوما أن كل صنف منهم غير الآخر . وإذ كان ذلك كذلك كان لا شك أن المقسوم له باسم الفقير غير المقسوم له باسم الفقر والمسكنة ، والفقير المعطى ذلك باسم الفقير المطلق هو الذي لا مسكنة فيه ، والمعطى باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة ، وهي الذل بالطلب والمسألة . فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه : إنما الصدقات للفقراء المتعفف منهم الذي لا يسأل ، والمتذلل منهم الذي يسأل ، وقد روي عن رسول الله ( ص ) بنحو الذي قلنا في ذلك خبر . 13088 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ( ص ) : ليس المسكين بالذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، إنما المسكين المتعفف اقرأوا إن شئتم لا يسألون الناس إلحافا . ومعنى قوله ( ص ) : إنما المسكين المتعفف على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين ، لا على تفصيل المسكين من الفقير . ومما ينبئ عن أن ذلك كذلك ، انتزاعه ( ص ) لقول الله : اقرأوا إن شئتم لا يسألون الناس إلحافا وذلك في