محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ويعني بقوله : ليهلك من هلك عن بينة ليموت من مات من خلقه عن حجة لله قد أثبتت له ، وقطعت عذره ، وعبرة قد عاينها ورآها . ويحيا من حي عن بينة يقول : وليعيش من عاش منهم عن حجة لله قد أثبتت له وظهرت لعينه ، فعلمها جمعنا بينكم وبين عدوكم هنالك . وقال ابن إسحاق في ذلك بما : 12534 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ليهلك من هلك عن بينة لما رأى من الآيات والعبر ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك . وأما قوله : وإن الله لسميع عليم فإن معناه : وإن الله أيها المؤمنون لسميع لقولكم وقول غيركم حين يرى الله نبيه في منامه ، ويريكم عدوكم في أعينكم قليلا وهم كثير ، ويراكم عدوكم في أعينهم قليلا ، عليم بما تضمره نفوسكم وتنطوي عليه قلوبكم ، حينئذ وفي كل حال . يقول جل ثناؤه لهم ولعباده : واتقوا ربكم أيها الناس في منطقكم أن تنطقوا بغير حق ، وفي قلوبكم أن تعتقدوا فيها غير الرشد ، فإن الله لا يخفى عليه خافية من ظاهر أو باطن . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور ) * . يقول تعالى ذكره : وإن الله يا محمد سميع لما يقول أصحابك ، عليم بما يضمرونه ، إذ يريك الله عدوك وعدوهم في منامك قليلا يقول : يريكهم في نومك قليلا فتخبرهم بذلك ، حتى قويت قلوبهم واجترأوا على حرب عدوهم . ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرا لفشل أصحابك ، فجبنوا وخافوا ، ولم يقدروا على حرب القوم ، ولتنازعوا في ذلك ولكن الله سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا ، إنه عليم بما تخفيه الصدور ، لا يخفى عليه شئ مما تضمره القلوب .