محمد بن جرير الطبري

158

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

كنت بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله قال : فقال : نزلت في أهل الكتاب . فقلت : نزلت فينا وفيهم . ثم ذكر نحو حديث هشيم عن حصين . فإن قال قائل : فكيف قيل : ولا ينفقونها في سبيل الله فأخرجت الهاء والألف مخرج الكناية عن أحد النوعين ؟ قيل : يحتمل ذلك وجهين : أحدهما أن يكون الذهب والفضة مرادا بها الكنوز ، كأنه قيل : والذين يكنزون الكنوز ولا ينفقونها في سبيل الله لان الذهب والفضة هي الكنوز في هذا الموضع . والآخر أن يكون استغنى بالخبر عن إحداهما في عائد ذكرهما من الخبر عن الأخرى ، لدلالة الكلام على أن الخبر عن الأخرى مثل الخبر عنها . وذلك كثير موجود في كلام العرب وأشعارها ، ومنه قول الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف فقال : راض ، ولم يقل : رضوان . وقال الآخر : إن شرح الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاص كان جنونا فقال : يعاص ، ولم يقل : يعاصيا في أشياء كثيرة . ومنه قول الله : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ولم يقل : إليهما القول في تأويل قوله تعالى : * ( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) * .