محمد بن جرير الطبري

125

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك ، فقال العباس : أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونفك العاني ، ونحجب البيت ، ونسقي الحاج فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج . . . الآية . فتأويل الكلام إذن : أجعلتم أيها القوم سقاية الحاج ، وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ، لا يستوون هؤلاء وأولئك ، ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما لان الله تعالى لا يقبل بغير الايمان به وباليوم الآخر عملا . والله لا يهدي القوم الظالمين يقول : والله لا يوفق لصالح الأعمال من كان به كافرا ولتوحيده جاحدا . ووضع الاسم موضع المصدر في قوله : كمن آمن بالله إذ كان معلوما معناه ، كما قال الشاعر : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندي فجعل خبر الفتيان أن ، وهو كما يقال : إنما السخاء حاتم والشعر زهير . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ) * . وهذا قضاء من الله بين فرق المفتخرين الذين افتخر أحدهم بالسقاية ، والآخر بالسدانة ، والآخر بالايمان بالله والجهاد في سبيله . يقول تعالى ذكره : الذين آمنوا بالله : صدقوا بتوحيده من المشركين ، وهاجروا دور قومهم ، وجاهدوا المشركين في دين الله بأموالهم وأنفسهم ، أعظم درجة عند الله وأرفع منزلة عنده من سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام وهم بالله مشركون . وأولئك يقول : وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم أنهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا وهم الفائزون بالجنة الناجون من النار . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ) * . يقول تعالى ذكره : يبشر هؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ربهم