محمد بن جرير الطبري

292

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فدعاهم فكذبوه ، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن ، فسألوه أن يأتيهم بآية ، فجاءهم بالناقة ، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم ، وقال : ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فأقروا بها جميعا ، فذلك قوله : فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وكانوا قد أقروا به على وجه النفاق والتقية ، وكانت الناقة لها شرب ، فيوم تشرب فيه الماء تمر بين جبلين فيرجمونها ، ففيهما أثرها حتى الساعة ، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبوا اللبن فيرويهم ، فكانت تصب اللبن صبا ، ويوم يشربون الماء لا تأتيهم . وكان معها فصيل لها ، فقال لهم صالح : إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر ، فذبحوا أبناءهم ، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه ، وكان لم يولد له قبل ذلك شئ ، فكان ابن العاشر أزرق أحمر ، فنبت نباتا سريعا ، فإذا مر بالتسعة فرأوه ، قالوا : لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا ، فغضب التسعة على صالح لأنه أمرهم بذبح أبنائهم ، فتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون . قالوا : نخرج ، فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر ، فنأتي الغار فنكون فيه ، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد أتيناه فقتلناه ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه ، ثم رجعنا فقلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ، يصدقوننا يعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر . فانطلقوا فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل ، فسقط عليهم الغار فقتلهم ، فذلك قوله : وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون . . . حتى بلغ ههنا : فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين . وكبر الغلام ابن العاشر ، ونبت نباتا عجبا من السرعة ، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب ، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم ، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة ، فوجدوا الماء قد شربته الناقة ، فاشتد ذلك عليهم وقالوا في شأن الناقة : ما نصنع نحن باللبن ؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة ، فنسقيه أنعامنا وحروثنا ، كان خيرا لنا فقال : الغلام ابن العاشر : هل لكم في أن أعقرها لكم ؟ قالوا : نعم . فأظهروا دينهم ، فأتاها الغلام ، فلما بصرت به شدت عليه ،