محمد بن جرير الطبري

283

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

طلبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة ، مسلمهم ومشركهم ، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم ، وكلهم معظم لمكة يعرف حرمتها ومكانها من الله . قال ابن إسحاق : وكان البيت في ذلك الزمان معروفا مكانه ، والحرم قائما فيما يذكرون ، وأهل مكة يومئذ العماليق وإنما سموا العماليق ، لان أباهم عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة فيما يزعمون رجلا يقال له : معاوية بن بكر ، وكان أبوه حيا في ذلك الزمان ولكنه كان قد كبر ، وكان ابنه يرأس قومه ، وكان السؤدد والشرف من العماليق فيما يزعمون في أهل ذلك البيت ، وكانت أم معاوية بن بكر كلهدة ابنة الخيبري رجل من عاد . فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا ، قالوا : جهزوا منكم وفدا إلى مكة ، فليستسقوا لكم ، فإنكم قد هلكتم فبعثوا قيل ابن عنز ولقيم بن هزال من هذيل وعقيل بن صد بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عفير ، وكان مسلما يكتم إسلامه ، وجلهمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر أخو أمه ، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صد بن عاد الأكبر . فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا . فلما قدموا مكة ، نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم ، فأنزلهم وأكرمهم ، وكانوا أخواله وأصهاره . فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر ، أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان ، قينتان لمعاوية بن بكر ، وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا . فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم ، شق ذلك عليه ، فقال : هلك أخوالي وأصهاري ، وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون علي والله ما أدري كيف أصنع بهم إن أمرتهم بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي ، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا . أو كما قال . فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين ، فقالتا : قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله ، لعل ذلك أن يحركهم . فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك : ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير فقد * أمست نساؤهم عيامى وإن الوحش يأتيهم جهارا * ولا يخشى لعادي سهاما