محمد بن جرير الطبري

170

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) * . وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس إذ عصاه ، فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له ، يقول : قال الله لإبليس : ما منعك أي شئ منعك ألا تسجد : أن تدع السجود لآدم ، إذ أمرتك أن تسجد . قال أنا خير منه يقول : قال إبليس : أنا خير من آدم ، خلقتني من نار وخلقته من طين . فإن قال قائل : أخبرنا عن إبليس ، ألحقته الملامة على السجود أم على ترك السجود ؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود ، فكيف قيل له : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ وإن كان النكير على السجود ، فذلك خلاف ما جاء به التنزيل في سائر القرآن ، وخلاف ما يعرفه المسلمون . قيل : إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له ، غير أن في تأويل قوله : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافا أبدأ بذكر ما قالوا ، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : ما منعك أن تسجد ، ولا ههنا زائدة ، كما قال الشاعر : أبى جوده لا البخل واستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله وقال : فسرته العرب : أبى جوده البخل ، وجعلوا لا زائدة حشوا ههنا وصلوا بها الكلام . قال : وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر البخل ، ويجعل لا مضافة إليه ، أراد : أبى جوده لا التي هي للبخل ، ويجعل لا مضافة ، لان لا قد تكون للجود والبخل ، لأنه لو قال له : امنع الحق ولا تعط المسكين ، فقال لا كان هذا جودا منه . وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله ، غير أنه زعم أن العلة في دخول لا في قوله : أن لا تسجد أن في أول الكلام جحدا ، يعني بذلك قوله : لم يكن من الساجدين فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد الجحد ، كالاستيثاق والتوكيد له قال : وذلك كقولهم :